محمود محمود الغراب
13
الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر
الحب ولوازمه مما يجده المحب في نفسه ، وأن الحب لا يتعلق إلا بمعدوم يصح وجوده ، وهو غير موجود في الحال ، والعالم محدث ، واللّه كان ولا شيء معه ، فكان الحب أصل سبب وجود العالم ، والسماع سبب كونه ، وبهذا الحب وقع التنفس ، وأظهر العالم نفس الرحمن ، لإزالة حكم الحب ، وتنفّس ما يجد المحب ، وخرج ذلك النفس عن أصل محبة في الخلق ، الذي يريد أن يتعرف إليهم ليعرفوه ، فكان العماء المسمى بالحق المخلوق به ، فكان ذلك العماء جوهر العالم ، فقبل صور العالم وأرواحه وطبائعه كلها ، وهو قابل لا يتناهى ، فالعماء من تنفسه ، والصور المعبر عنها بالعالم من كلمة كن ، فالمحبة مقامها شريف ، وهي أصل الوجود . ( ف ح 2 / 399 ، 428 ، 111 ) وعن الحب صدرنا * وعلى الحب جبلنا فلذا جئناه قصدا * ولهذا قد قبلنا ( ف ح 2 / 322 ) ولما لم يكن علم اللّه تعالى بالعالم إلا علمه بنفسه ، إذ لم يكن في الوجود إلا هو ، فما ظهر في الكون إلا ما هو عليه في نفسه ، فلا بد أن يكون العالم على صورته ، وصورة العالم على قدر الحضرة الإلهية الأسمائية ، فما في الحضرة الإلهية اسم إلهي إلا وهو على قدر أثره في نشء العالم ، من غير زيادة ولا نقصان ، فخلق اللّه العالم في غاية الإحكام والإتقان ، كما قال الإمام أبو حامد الغزالي من أنه : لم يبق في الإمكان أبدع من هذا العالم ، فأخبر أنه تعالى خلق آدم على صورته ، والإنسان مجموع العالم ، فطابق العالم الأسماء الإلهية ، وكأنه تعالى كان باطنا فصار بالعالم ظاهرا ، فعرف نفسه شهودا بالظاهر بقوله : فأحببت أن أعرف . ( ف ح 2 / 339 ، 345 ، 111 ، 399 ) ولما أظهر تعالى العالم في عينه كان مجلاه ، فما رأى فيه غير جماله ، فالعالم جمال اللّه ، فهو تعالى الجميل المحب للجمال ، ورد في الخبر الصحيح في صحيح مسلم عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إن اللّه جميل يحب الجمال » فأوجد اللّه العالم في غاية الجمال والكمال خلقا وإبداعا ، فإنه تعالى يحب الجمال ، وما ثمّ جميل إلا هو ، فأحب نفسه ، ثم أحب أن يرى نفسه